Rss Feed

  1. الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
    مدنية وهى مأتا آية
     
    (بسم الله الرحمن الرحيم الم الله لا اله إلا هو الحي القيوم)
     
    فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن عبدالله بن سنان عن ابي عبدالله عليه السلام قال سألته عن قول الله تبارك وتعالى (الم الله لا اله الا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التورية والانجيل من قبل، هدى للناس وأنزل الفرقان) قال الفرقان هو كل امر محكم والكتاب هو جملة القرآن الذي يصدقه من كان قبله من الانبياء (وهو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء) يعني ذكرا او انثى واسود وابيض واحمر وصحيحا وسقيما، وقوله (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) فاما المحكم من القرآن فهو ما تأويله في تنزيله مثل قوله تعالى " ياايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين " ومثل قوله " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم وعماتكم وخالاتكم " إلى آخر الآية ومثله كثير محكم مما تأويله في تنزيله.
     
    واما المتشابه فما كان في القرآن مما لفظه واحد ومعاينه مختلفة مما ذكرنا من الكفر الذي هو على خمسة اوجه والايمان على اربعة وجوه ومثل الفتنة والضلال الذي هو على وجوه وتفسير كل آية نذكره في موضعه ان شاء الله تعالى واما قوله (فاما الذين في قلوبهم زيغ) اي شك وقوله (وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن اذينة عن يزيد بن معاوية عن ابي جعفر عليه السلام قال ان رسول الله صلى الله عليه وآله افضل الراسخين في العلم قد علم جميع ما انزل الله عليه من التنزيل والتأويل وما كان
     
    [97]
     
    الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله واوصياؤه من بعده يعلمونه كله، قال قلت جعلت فداك ان ابا الخطاب كان يقول فيكم قولا عظيما، قال وما كان يقول؟ قلت انه يقول انكم تعلمون علم الحلال والحرام والقرآن قال علم الحلال والحرام والقرآن يسير في جنب العلم الذي يحدث في الليل والنهار وقوله (ربنا لا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا) اي لا نشك وقوله (اولئك هم وقود النار) يعني حطب النار (كداب آل فرعون) اي فعل آل فرعون.
     
    وقوله (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد) فانها نزلت بعد بدر لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر اتى بنى قينقاع وهو يناديهم وكان بها سوق يسمى سوق النبط فاتاهم رسول الله فقال يامعشر اليهود قد علمتم ما نزل بقريش وهم اكثر عددا وسلاما وكراعا منكم فادخلوا في الاسلام، فقالوا يا محمد ء‌انك تحسب حربنا مثل حرب قومك؟ والله لو لقيتنا للقيت رجالا، فنزل عليه جبرئيل فقال يامحمد (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله) يعني فئة المسلمين وفئة الكفار (واخرى كافرة يرونهم مثليهم راي العين) اي كانوا مثلي المسلمين (والله يؤيد بنصره من يشاء) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر (إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار).
     
    وقوله (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث) قال القناطير جلود الثيران مملوء‌ة دهبا " والخيل المسومة " يعني الراعية والانعام " والحرث " يعني الزرع " والله عنده حسن المآب " اي حسن المرجع اليه قال (أؤنبئكم بخير من ذلكم الذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) ثم اخبر ان هذا للذين (يقولون ربنا اننا آمنا فاغفر ذنوبنا وقنا عذاب النار - إلى قوله - والمستغفرين
     
    [98]
     
    بالاسحار) ثم اخبر ان هؤلاء هم (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار) وهم الدعاؤن واما قوله (وازواج مطهرة) قال في الجنة لا يحضن ولا يحدثن.
     
    حدثني ابي عن اسماعيل بن ابان عن عمر (عمير ط) بن عبدالله الثقفي قال اخرج هشام بن عبدالملك ابا جعفر محمد بن علي زين العابدين عليهم السلام من المدينة إلى الشام، وكل ينزله معه فكان يقعد مع الناس في مجالسهم فبينما هو قاعد وعنده جماعة من الناس يسألونه اذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك فقال ما لهؤلاء القوم ألهم عيد اليوم؟ قالوا لا يابن رسول الله ولكنهم يأتون عالما لهم في هذا الجبل في كل سنة في مثل هذا اليوم فيخرجونه ويسألونه عما يريدون وعما يكون في عامهم، قال ابوجعفر عليه السلام وله علم؟ فقالوا هو من اعلم الناس قد ادرك اصحاب الحواريين من اصحاب عيسى (ع)، قال لهم نذهب اليه، فقالوا ذاك اليك يابن رسول الله، قال فقنع ابوجعفر رأسه بثوبه ومضى هو واصحابه فاختلطوا بالناس حتى اتوا الجبل، قال فقعد ابوجعفر وسط النصاري هو واصحابه، فاخرج النصارى بساطا ثم وضعوا الوسائد ثم دخلوا فاخرجوه ثم ربطوا عينيه فقلب عينيه كانهما عينا افعى، ثم قصد ابا جعفر (ع) فقال أمنا انت ام من الامة المرحومة؟ فقال ابوجعفر (ع) من الامة المرحومة، قال فمن علمائهم انت ام من جهالهم؟ قال لست من جهالهم، قال النصراني اسألك او تسألني؟ فقال ابوجعفر (ع) سلني، فقال يا معشر النصارى رجل من امة محمد يقول اسألني ان هذا لعالم بالمسائل ثم قال يا عبدالله اخبرني عن ساعة ما هي من الليل ولا هي من النهار أي ساعة هي؟ قال ابوجعفر (ع) ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، قال النصراني فاذا لم يكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن اي الساعات هي؟ فقال ابوجعفر (ع) من ساعات الجنة وفيها
     
    [99]
     
    تفيق مرضى، فقال النصراني اصبت فأسألك او تسألني؟ قال ابوجعفر (ع) سلني، قال يامعشر النصارى ان هذا لملئ بالمسائل اخبرني عن اهل الجنة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوطون؟ اعطني مثله في الدنيا، قال ابوجعفر (ع) هذا هو الجنين في بطن امه يأكل مما تأكل امه ولا يتغوط، قال النصراني اصبت الم تقل ما انا من علمائهم؟ قال ابوجعفر (ع) انما قلت لك ما انا من جهالهم، قال النصراني فاسألك او تسألني قال ابوجعفر (ع) سلني قال يا معشر النصارى لاسألنه مسألة يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل، فقال له سل قال اخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت منه بابنين حملتهما جميعا في ساعة واحدة ووضعتهما في ساعة واحدة وماتا في ساعة واحدة ودفنا في ساعة واحدة في قبر واحد عاش احدهما خمسين ومائة سنة وعاش الآخر خمسين سنة من هما؟ قال ابوجعفر (ع) هما عزير وعزرة كانت حملت امهما على ما وصفت، ووضعتهما على ما وصفت، وعاش عزرة وعزير ثلاثين سنة ثم امات الله عزيرا مأة سنة وبقي عزرة يحيى ثم بعث الله عزيرا فعاش مع عزرة عشرين سنة وماتا جميعا في ساعة واحدة فدفنا في قبر واحد، قال النصراني يا معشر النصارى ما رأيت احدا قط اعلم من هذا الرجل لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام ردوني إلى كهفي فردوه إلى كهفه ورجع النصارى مع ابي جعفر (ع).
     
    وقوله (شهد الله انه لا إله الا هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط) قال قائما بالقسط معطوف على قوله شهد الله والقسط العدل (ان الدين عندالله الاسلام) قال التسليم لله ولاوليائه وهو التصديق، وقد سمى الله الايمان تصديقا حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن حمران بن اعين عن ابى عن ابي جعفر (ع) قال ان الله فضل الايمان على الاسلام بدرجة كما فضل الكعبة على المسجد الحرام بدرجة قال وحدثني محمد بن يحيى البغدادي رفع الحديث إلى امير المؤمنين عليه السلام انه قال لانسبن
     
    [100]
     
    الاسلام نسبة لم ينسبها احل قبلي ولا ينسبها احد بعدي الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، فالتصديق هو الاقرار، والاقرار هو الاداء، والاداء هو العمل والمؤمن من اخذ دينه عن ربه إن المؤمن يعرف ايمانه في عمله وان الكافر يعرف كفره بانكاره، يا ايها الناس دينكم دينكم فان السيئة فيه خير من الحسنة في غيره، وان السيئة فيه تغفر، وان الحسنة في غيره لا تقبل وقوله (لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ الا ان تتقوا منهم تقاة) فان هذه الآية رخصة ظاهرها خلاف باطنها يدان بظاهرها ولا يدان بباطنها الا عند التقية، ان التقية رخصة للمؤمن ان يراه (ان يدين بدين ط) الكافر فيصلي بصلاته ويصوم بصيامه اذا اتقاه في الظاهر وفي الباطن يدين الله بخلاف ذلك، وقوله (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله الآية) فحب الله للعباد رحمة منه لهم وحب العباد لله طاعتهم له(1).
     
    وقوله (ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين) فلفظ الآية عام ومعناه خاص وانما فضلهم على عالمي زمانهم وقال العالم عليه السلام نزل " وآل عمران وآل محمد على العالمين " فاسقطوا آل محمد من الكتاب.
     
    وقوله (اذ قالت امرأة عمران رب اني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني انك انت السميع العليم) فان الله تبارك وتعالى اوحى إلى عمران اني واهب لك ذكرا يبرئ الاكمه والابرص ويحيي الموتى باذن الله، فبشر عمران زوجته
     
    ___________________________________
     
    (1) قال صادق آل محمد عليه السلام: ما احب الله من عصاه ثم تمثل فقال:
     
    تعصى الاله وانت تظهر حبه * هذا محال في الفعال بديع
     
    لو كان حبك صادقا لاطعته * ان المحب لمن يحب مطيع.ج-ز
     
    [101]
     
    بذلك فحملت، فقالت رب اني نذرت لك ما في بطني محررا للمحراب، وكانوا اذا بذلك فحملت، فقالت رب اني نذرت لك ما في بطني محررا للمحراب، وكانوا اذا نذروا نذرا جعلوا ولدهم للمحراب (فاما وضعتها قالت رب اني وضعتها انثى والله اعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى) وانت وعدتني ذكرا (واني سميتها مريم واني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) فوهب الله لمريم عيسى عليه السلام قال وحدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن علي بن رياب عن ابي بصير عن ابي عبدالله عليه السلام قال ان قلنا لكم في الرجل منا قولا فلم يكن فيه كان في ولده او ولد ولده فلا تنكروا ذلك ان الله اوحى إلى عمران اني واهب لك ذكرا مباركا يبرئ الاكمه والابرص ويحيي الموتى باذنى وجاعله رسولا إلى بني اسرائيل فحدث بذلك امرأته حنة وهي ام مريم فلما حملت بها كان حملها عند نفسها غلاما " فلما وضعتها انثى قالت رب اني وضعتها انثى وليس الذكر كالانثى " لان البنت لا تكون رسولا يقول الله " والله اعلم بما وضعت " فلما وهب الله لمريم عيسى عليه السلام كان هو الذي بشر الله به عمران ووعده اياه فاذا قلنا لكم في الرجل منا شيئا فكان في ولده او ولد ولده فلا تنكروا ذلك.
     
    فلما بلغت مريم صارت في المحراب وارخت على نفسها سترا وكان لا يراها احد وكان يدخل عليها زكريا المحراب فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، فكان يقول لها انى لك هذا؟ فتقول (هو من عندالله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ان الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين) الحصور الذي لا يأتي النساء (قال رب انى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) والعاقر التي قد يئست من المحيض (قال كذلك الله يفعل ما يشاء) قال زكريا (رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة ايام الا رمزا) وذلك ان زكريا ظن ان الذي بشره
     
    [102]
     
    هم الشياطين فقال " رب اجعل لي آية قال آيتك الا تكلم الناس ثلاثة ايام الا رمزا " فخرس ثلاثة ايام، وقوله (اذا قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفيك وطهرك واصطفيك على نساء العالمين) قال اصطفاها مرتين، اما الاولى اصطفاها اي اختارها واما الثانية فانها حملت من غير فحل فاصطفاها بذلك على نساء العالمين وقوله (يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) وانما هو اركعي واسجدي ثم قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله (ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك - يامحمد - وما كنا لديهم اذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم وما كنت لديهم اذ يختصمون) قال لما ولدت اختصم آل عمران فيها فكلهم قالوا نحن تكفلها فخرجوا وقارعوا بالسهام بينهم فخرج سهم زكريا فتكفلها زكريا.
     
    (إذ قالت الملائكة يامريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين) اي ذا وجه وجاه ونكتب مولده وخبره في سورة مريم وقوله (اني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير) اي اقدر وهو خلق تقدير، حدثنا احمد بن محمد الهمداني قال حدثني جعفر بن عبدالله قال حدثنا كثير بن عياش عن زياد بن المنذر عن ابي الجارود عن ابي جعفر محمد ابن علي عليهما السلام في قوله (وانبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) فان عيسى عليه السلام كان يقول لبني اسرائيل اني رسول الله اليكم واني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرا باذن الله وابرئ الاكمه والابرص، الاكمه هو الاعمى قالوا ما نرى الذي تصنع الا سحرا فارنا آية نعلم انك صادق قال ارأيتم ان اخبرتكم " بما تأكلون وما تدخرون " يقول ما اكلتم في بيوتكم قبل ان تخرجوا وما ذخرتم الليل، تعلمون اني صادق؟ قالوا نعم فكان يقول للرجل اكلت كذا وكذا وشربت كذا وكذا ورفعت كذا وكذا فمنهم من يقبل منه فيؤمن ومنهم من ينكر فيكفر، وكان لهم في ذلك آية ان كانوا مؤمنين.
     
    [103]
     
    وقال علي بن ابراهيم في قوله (ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم) وهو السبت والشحوم والطير الذي حرمه الله على بني اسرائيل قال وروى ابن ابي عمير عن رجل عن ابي عبدالله عليه السلام في قول الله تعالى (فلما احس عيسى عليه السلام منهم الكفر) اي لما سمع ورأى انهم يكفرون، والحواس الخمس التي قدرها الله في الناس السمع للصوت، والبصر للالوان وتمييزها، والشم لمعرفة الروائح الطيبة والخبيثة، والذوق للطعوم وتمييزها، واللمس لمعرفة الحار والبارد واللين والخشن.
     
    واما قوله (إذ قال الله يا عيسى اني متوفيك ورافعك الي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن جميل بن صالح عن حمران بن اعين عن ابي جعفر عليه السلام قال ان عيسى عليه السلام وعد اصحابه ليلة رفعه الله اليه، فاجتمعوا اليه عند المساء وهم اثنا عشر رجلا فادخلهم بيتا ثم خرج عليهم من عين في زاوية البيت وهو ينقض رأسه من الماء، فقال ان الله اوحى الي انه رافعي اليه الساعة ومطهري من اليهود فايكم يلقى عليه شبحى فيقتل ويصلب ويكون معي في درجتي، فقال شاب منهم انا ياروح الله قال فانت هوذا فقال لهم عيسى عليه السلام اما ان منكم لمن يكفر بي قبل ان يصبح اثنتي عشرة كفرة، فقال له رجل منهم انا هو يا نبي الله؟ فقال عيسى ان تحس بذلك في نفسك فلتكن هو ثم قال لهم عيسى (ع) اما انكم ستفترقون بعدي على ثلث فرق فرقتين مفتريتين على الله في النار وفرقة تتبع شمعون صادقة على الله في الجنة ثم رفع الله عيسى اليه من زاوية البيت وهم ينظرون اليه، ثم قال ابوجعفر (ع) ان اليهود جاء‌ت في طلب عيسى (ع) من ليلتهم فاخذوا الرجل الذي قال له عيسى (ع) ان منكم لمن يكفر بي من قبل ان يصبح اثنتي عشرة كفرة واخذوا الشاب الذي القي عليه شبح عيسى فقتل وصلب وكفر الذي قال له عيسى (ع) تكفر قبل ان تصبح اثنتي عشرة كفرة.
     
    [104]
     
    واما قوله (ان مثل عيسى عندالله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون - إلى قوله - فمن حاجك فيه بعد ما جاء‌ك من العلم) فانه حدثني ابي عن النضر بن سويد عن ابن سنان عن ابي عبدالله عليه السلام ان نصارى نجران لما وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وكان سيدهم الاهتم والعاقب والسيد وحضرت صلاتهم فاقبلوا يضربون بالناقوس وصلوا، فقال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله هذا في مسجدك فقال دعوهم فلما فرغوا دتوا من رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا إلى ما تدعون؟ فقال إلى شهادة " ان لا اله الا الله واني رسول الله وان عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث " قالوا فمن ابوه؟ فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال قل لهم ما تقولون في آدم (ع) اكان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب وينكح فسألهم النبي صلى الله عليه وآله فقالوا نعم، فقال فمن ابوه؟ فبهتوا فبقوا ساكتين فانزل الله (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الآية) واما قوله (فمن حاجك فيه من بعد ما جاء‌ك من العلم إلى قوله فنجعل لعنة الله على الكاذبين) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله فباهلوني فان كنت صادقا انزلت اللعنة عليكم وان كنت كاذبا نزلت علي، فقالوا انصفت فتواعدوا للمباهلة، فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السيد والعاقب والاهتم ان باهلنا بقومه باهلناه، فانه ليس بنبي وان باهلنا باهل بيته خاصة فلا نباهله فانه لا يقدم على اهل بيته إلا وهو صادق، فلما اصبحوا جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه امير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فقال النصارى من هؤلاء فقيل لهم هذا إبن عمه ووصيه وختنه علي بن ابي طالب وهذه بنته فاطمة وهذان ابناه الحسن والحسين عليهم السلام، فعرفوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله نعطيك الرضى فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله على الجزية وانصرفوا.
     
    [105]
     
    وقوله (يااهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما انزلت التورية والانجيل الا من بعده افلا تعقلون) ثم قال (ها انتم هؤلاء) اي انتم يا هؤلاء (حاججتم فيما لكم به علم) يعني بما في التورية والانجيل (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) يعني بما في صحف إبراهيم (والله يعلم وانتم لا تعلمون) ثم قال (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) ثم وصف الله عزوجل من اولى الناس بابراهيم يحتج به، فقال (ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) قال حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن منصور بن يونس عن عمر بن يزيد قال ابوعبدالله عليه السلام انتم والله من آل محمد فقلت من انفسهم جعلت فداك؟ قال نعم والله من انفسهم ثلاثا ثم نظر الي ونظرت اليه فقال ياعمر إن الله يقول في كتابه " ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " وقوله (يا اهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) اي تعلمون ما في التورية من صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وتكتمونه وقوله (وقالت طائفة من اهل الكتاب آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) قال نزلت في قوم من اليهود قالوا آمنا بالذي جاء به محمد بالغداة وكفرنا به بالعشي وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما قد م المدينة وهو يصلي نحو بيت المقدس اعجب اليهود من ذلك فلما صرفه الله عن بيت المقدس إلى بيت الحرام وجدت(1) وكان صرف القبلة صلاة الظهر فقالوا صلى محمد الغداة واستقبل قبلتنا فآمنوا بالذي انزل على محمد وجه النهار واكفروا آخره، يعنون القبلة حين استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد الحرام، لعلهم يرجعون إلى قبلتنا.
     
    ___________________________________
     
    (1) وجدت اي حزنت.ج ز
     
    [106]
     
    قال علي بن ابراهيم في قوله (ومن اهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يوده اليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يوده اليك الا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الاميين سبيل) فان اليهود قالوا يحل لنا ان نأخذ مال الاميين والامييون الذين ليس معهم كتاب، فرد الله عليهم فقال (ويقولون علي الله الكذب وهم يعلمون) وقوله (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا) قال يتقربون إلى الناس بانهم مسلمون فيأخذون منهم ويخونونهم وما هم بمسلمين على الحقيقة وقوله (وان منهم افريقا يلون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) قال كان اليهود يقولون شيئا ليس في التورية ويقولون هو في التورية فكذبهم الله وقوله (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين) اي ان عيسى لم يقل للناس اني خلقتكم فكونوا عبادا لي من دون الله ولكن قال لهم كونوا ربانيين اي علماء وقوله (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا) قال كان قوم يعبدون الملائكة، وقوم من النصارى زعموا ان عيسى رب، واليهود قالوا عزير ابن الله فقال، الله لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين اربابا.
     
    واما وقوله (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما اتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاء كم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) فان الله اخذ ميثاق نببه اي محمد صلى الله عليه وآله على الانبياء ان يؤمنوا به وينصروه ويخبروا اممهم بخبره، حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن مسكان عن ابي عبدالله عليه السلام قال ما بعث الله نبيا من لدن آدم فهلم جرا إلا ويرجع إلى الدنيا وينصر امير المؤمنين عليه السلام وهو قوله " لتؤمنن به " يعني رسول الله صلى الله عليه وآله " ولتنصرنه " يعني امير المؤمنين عليه السلام ثم قال لهم في الذر (ء‌اقررتم وأخذتم على ذلكم
     
    [107]
     
    اصري) اي عهدي (قالوا اقررنا قال) الله للملائكة (فاشهدوا وإنا معكم من الشاهدين) وهذه مع الآية التي في سورة الاحزاب في قوله " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح الآية " والآية التي في سورة الاعراف قوله " وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " قد كتبت هذه الثلاث آيات في ثلاث سور.
     
    ثم فال عزوجل (أفغير دين الله يبغون) قال أغير هذا الذي قلت لكم ان تقروا بمحمد ووصيه (وله اسلم من في السموات والارض طوعا وكرها) اي فرقا من السيف.
     
    ثم امر نبيه بالاقرار بالانبياء والرسل والكتب فقال قل يا محمد (آمنا بالله وما أنزل علينا وما انزل على إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) وقوله (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه) فانه محكم.
     
    ثم ذكر الله عزوجل الذين ينقضون عهد الله في امير المؤمنين وكفروا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد ايمانهم وشهدوا ان الرسول حق وجائهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين اولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون - إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من احدهم ملا الارض ذهبا ولو افتدى به اولئك لهم عذاب اليم وما لهم من ناصرين) فهذه كلها في اعداء آل محمد ثم قال (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) اي لن تنالوا الجزء الثواب حتى تردوا على آل محمد حقهم من الخمس والانفال والفئ.
     
    واما قوله (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التورية) قال ان يعقوب كان يصيبه عرق النساء فحرم على
     
    [108]
     
    نفسه لحم الجمل فقال اليهود ان لحم الجمل محرم في التورية، فقال عزوجل لهم (فاتوا بالتورية فاتلوها إن كنتم صادقين) انما حرم هذا إسرائيل على نفسه ولم يحرمه على الناس وهذا حكاية عن اليهود ولفظه لفظ الخبر.
     
    (وقوله ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة) قال معنى بكة ان الناس يبك(1) بعضهم بعضا في الزحام وقوله (ومن دخله كان آمنا) فانه حدثني ابي عن ابن ابي عمير عن حفص بن البحتري عن ابي عبدالله عليه السلام في الرجل يجني الجناية في غير الحرم ثم يلجأ إلى الحرم قال لا يقام عليه الحد ولا يكلم ولا يسقى ولا يطعم ولا يباع منه، إذا فعل ذلك به يوشك ان يخرج فيقام عليه الحد وإذا جنى في الحرم جناية اقيم عليه الحد في الحرم لانه لم ير للحرم حرمة، وقوله (ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر) اي من ترك الحج وهو مستطيع فقد كفر، والاستطاعة هي القوة والزاد والراحلة، وقوله (اتقوا الله حق تقاته) فانه منسوخ بقوله " اتقوا الله ما استطعتم " وقوله (واعتصموا بحبل الله جميعا) قال التوحيد والولاية وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (ولا تفرقوا) قال ان الله تبارك وتعالى علم انهم سيفترقون بعد نبيهم ويختلفون فنهاهم عن التفرق كما نهى من كان قبلهم فامرهم ان يجتمعوا على ولاية آل محمد عليهم السلام ولا يتفرقوا.
     
    وقال على بن ابراهيم في قوله (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم) فانها نزلت في الاوس والخزرج كان الحرب بينهم مأة سنة لا يضعون السلاح بالليل ولا بالنهار حتى ولد عليه الاولاد فلما بعث الله نبيه اصلح بينهم فدخلوا في الاسلام وذهبت العداوة من قلوبهم برسول الله صلى الله عليه وآله وصاروا اخوانا، وفى رواية ابي الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (ولتكن
     
    ___________________________________
     
    (1) بكبك القوم اي ازدحموا، ج-ز
     
    [109]
     
    منكم امة يدعون إلى الخير) فهذه الآية لآل محمد صلى الله عليه وآله ومن تابعهم يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
     
    قال علي بن ابراهيم في قوله (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه - إلى قوله - ففي رحمة الله هم فيها خالدون) فانه حدثني ابي عن صفوان بن يحيى عن ابي الجارود عن عمران بن هيثم عن مالك بن ضمرة عن ابي ذر رحمة الله عليه قال لما نزلت هذه الآية يوم " تبيض وجوه وتسود وجوه " قال رسول الله صلى الله عليه وآله يرد علي امتي يوم القيامة على خمس رايات، فراية مع عجل هذه الامة فاسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون اما الاكبر فخرفناه ونبذناه ورآء ظهورنا واما الاصغر فعاديناه وابغضناه وظلمناه، فاقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم يرد علي راية مع فرعون هذه الامة، فاقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون اما الاكبر فحرفناه ومزقناه وخالفناه واما الاصغر فعاديناه وقاتلناه، فاقول ردوا النار ظماء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد علي رايه مع سامري هذه الامة فاقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون اما الاكبر فعصيناه وتركناه واما الاصغر فخذلناه وضيعناه وصنعنا به كل قبيح فاقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم ثم ترد علي راية ذى الثدية مع اول الخوارج وآخرهم فاسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون اما الاكبر ففرقناه (فمزقناه ط) وبرئنا منه واما الاصغر فقاتلناه وقتلناه، فاقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد علي راية مع امام المتقين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين ووصي رسول رب العالمين، فاقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدى فيقولون اما الاكبر فاتبعناه واطعناه واما الاصغر فاحببناه وواليناه ووازرناه ونصرناه حتى اهرقت فيهم دماؤنا، فاقول ردوا الجنة رواء مرويين مبيضة وجوهكم ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فاما الذين اسودت وجوههم اكفرتم بعد ايمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم
     
    [110]
     
    تكفرون واما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون " قوله (كنتم خير امة اخرجت للناس) وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن ابن سنان قال قرئت عند ابي عبدالله عليه السلام " كنتم خير امة اخرجت للناس " فقال ابوعبدالله عليه السلام " خير امة " يقتلون امير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام؟ فقال القاري جعلت فداك كيف نزلت؟ قال نزلت " كنتم خير ائمة اخرجت للناس " الا ترى مدح الله لهم " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ".
     
    وقوله (ضربت عليهم الذلة اينما ثقفوا الا بحبل من الله وحبل من الناس وبآؤ بغضب من الله) يعني بعهد من الله وعقد من رسول الله (وضربت عليهم المسكنة) اي الجوع وقوله (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) اي لن تجحدوه ثم ضرب للكفار من انفق ماله في غير طاعة الله مثلا فقال (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر) اي برد (اصابت حرث قوم ظلموا انفسهم فاهلكته (اى زرعهم) وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون) وقوله (ياايها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم) نزلت في اليهود وقوله (لا يالونكم خبالا) اي عداوة وقوله (عضوا عليكم الانامل من الغيظ) قال اطراف الاصابع وقوله (وإذ غدوت من اهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم) فانه حدثني ابي عن صفوان عن ابن مسكان عن ابي بصير عن ابي عبدالله (ع) قال سبب نزول هذه الآية ان قريشا خرجت من مكة تريد حرب رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج يبغي موضعا للقتال.
     
    وقوله (اذ همت طائفتان منكم ان تفشلا) نزلت في عبدالله بن ابي وقوم من اصحابه اتبعوا رأيه في ترك الخروج عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله قال وكان سبب غزوة احد ان قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة وقد اصابهم ما اصابهم من القتل والاسر لانه قتل منهم سبعون واسر منهم سبعون، فلما رجعوا
     
    [111]
     
    إلى مكة قال ابوسفيان يامعشر قريش لا تدعوا النساء تبكى على قتلاكم فان البكاء والدمعة إذا خرجت اذهبت الحزن والحرقة والعداوة لمحمد ويشمت بنا محمد واصحابه، فلما غزوا رسول الله صلى الله عليه وآله يوم احد اذنوا لنساء‌هم بعد ذلك في البكاء والنوح، فلما ارادوا ان يغزوا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى احد ساروا في حلفائهم من كنانة وغيرها فجمعوا الجموع والسلاح وخرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس والفي راجل واخرجوا معهم النساء يذكرنهم ويحثنهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله واخرج ابوسفيان هند بنت عتبة وخرجت معهم عمرة بنت علقمة الحارثية.
     
    فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك جمع اصحابه واخبرهم ان الله قد اخبره ان قريشا قد تجمعت تريد المدينة، وحث اصحابه على الجهاد والخروج، فقال عبدالله بن ابي (سلول ط) وقومه يا رسول الله لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في ازقتها، فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والامة على افواه السكك وعلى السطوح فما ارادنا قوم قط فظفروا بنا ونحن في حصوننا ودورنا وما خرجنا إلى اعدائنا قط الا كان الظفر لهم، فقام سعد بن معاذ رحمه الله وغيره من الاوس فقالوا يارسول الله ما طمع فينا احد من العرب ونحن مشركون نعبد الاصنام فكيف يطمعون فينا وانت فينا لا، حتى نخرج اليهم فنقاتلهم فمن قتل منا كان شهيدا ومن نجى منا كان قد جاهد في سبيل الله فقبل رسول الله قوله وخرج مع نفر من اصحابه يبتغون موضع القتال كما قال الله " واذ غدوت من اهلك تبوء المؤمنين إلى قوله - اذ همت طائفتان منكم ان تفشلا " يعني عبدالله بن ابي واصحابه، فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله معسكره مما يلي من طريق العراق وقعد عبدالله بن ابي وقومه من الخزرج اتبعوا رأيه، ووافت قريش إلى احد وكان رسول الله صلى الله عليه وآله عد اصحابه وكانوا سبعماء‌ة رجلا، فوضع عبدالله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب واشفق ان يأتي كمينهم في ذلك المكان فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعبدالله
     
    [112]
     
    ابن جبير واصحابه ان رأيتمونا قد هزمناهم حتى ادخلناهم مكة فلا تخرجوا من هذا المكان وان رأيتموهم قد هزمونا حتى ادخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا مراكزكم، ووضع ابوسفيان خالد بن الوليد في مأتى فارس كمينا، وقال لهم إذا رأيتمونا قد اختلطنا بهم فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا من ورائهم فلما اقبلت الخيل واصطفوا وعبأ(1) رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه دفع الراية إلى امير المؤمنين صلوات الله عليه فحملت الانصار على مشركي قريش فانهزموا هزيمة قبيحة ووقع اصحاب رسول الله في سوادهم وانحط خالد بن الوليد في مأتي فارس، فلقي عبدالله بن جبير فاستقبلوهم بالسهام فرجعوا ونظر اصحاب عبدالله بن جبير إلى اصحاب رسول الله ينهبون سواد القوم، قالوا لعبدالله بن جبير تقيمنا ههنا وقد غنم اصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة، فقال لهم عبدالله اتقوا الله فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد تقدم الينا ان لا نبرح، فلم يقبلوا منه واقبل ينسل رجل فرجل حتى اخلوا من مركزهم وبقي عبدالله بن جبير في اثنى عشر رجلا، وقد كانت راية قريش مع طلحة بن ابي طلحة العدوي من بني عبدالدار فبرز ونادى يا محمد ! تزعمون انكم تجهزونا باسيافكم إلى النار ونجهزكم باسيافنا إلى الجنة فمن شاء ان يلحق بجنته فليبرز الي، فبرز اليه امير المؤمنين عليه السلام يقول:
     
    ياطلح ان كنت كما تفول * لنا خيول ولكم نصول
     
    فاثبت لننظر اينا المقتول * واينا اولى بما تقول
     
    فقد اتاك الاسد الصؤل * بصارم ليس به فلول
     
    بنصرة القاهر والرسول فقال طلحة من انت يا غلام؟ قال انا علي بن ابي طالب قال قد علمت
     
    ___________________________________
     
    (1) عبأ الجيش اي رتبه في مواضعه وهيأه للقتال.ج-ز
     
    [113]
     
    ياقضيم(1) انه لا يجسر علي أحد غيرك، فشد عليه طلحة فضربه فاتقاه امير المؤمنين عليه السلام بالجحفة(2) ثم ضربه امير المؤمنين عليه السلام على فخذيه فقطعهما جميعا فسقط على ظهره، وسقطت الراية، فذهب على عليه السلام ليجهز(3) عليه فحلفه بالرحم فانصرف عنه فقال المسلمون ألا أجهزت عليه؟ قال قد ضربته ضربة لا يعيش منها أبدا، واخذ الراية ابوسعيد بن ابي طلحه فقتله علي عليه السلام وسقطت الراية علي الارض، فاخذها شافع (مسافع ط) بن ابي طلحة فقتله علي (ع) فسقطت الراية إلى الارض فاخذها عثمان بن ابي طلحة فقتله علي (ع) فسقطت الراية إلى الارض فاخذها الحارث بن ابى طلحة فقتله علي (ع)، فسقطت الراية إلى الارض، واخذها ابوعذير بن عثمان ففتله علي (ع) وسقطت الراية الي الارض فاخذها عبدالله بن ابى جميلة بن زهير فقتله علي (ع) وسقطت الراية إلى الارض، فقتل امير المؤمنين عليه السلام التاسع من بني عبدالدار وهو ارطاة بن شرحبيل مبارزة وسقطت الراية إلى الارض، فاخذها مولاهم صواب فضربه امير المؤمنين عليه السلام على يمينه فقطعها وسقطت الراية إلى الارض فاخذها بشماله فضربه اميرالمؤمنين عليه السلام على شماله فقطعها وسقطت الراية إلى الارض، فاحتضنها بيديه المقطوعتين ثم قال يا بني عبدالدار هل أعذرت فيما بيني وبينكم؟ فضربه امير المؤمنين عليه السلام على رأسه فقتله، وسقطت الراية إلى الارض، فاخذتها عمرة بنت علقمة الحارثية فقبضتها وانحط خالد بن الوليد على عبدالله بن جبير وقد فر أصحابه وبقى في نفر قليل فقتلوهم على باب شعب واستعقبوا المسلمين فوضعوا فيهم السيف، ونظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها واقبل خالد بن الوليد يقتلهم، فانهزم
     
    ___________________________________
     
    (1) القضيم الكاسر وسيأتي شرحه في عبارة المصنف (رحمه الله).
     
    (2) الترس.
     
    (3) اجهز على الجريح أي اسرع في قتله واثمه.ج-ز
     
    [114]
     
    اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله هزيمة قبيحة واقبلوا يصعدون في الجبال وفي كل وجه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه وقال: " اني أنا رسول الله إلى اين تفرون عن الله وعن رسوله؟ ".
     
    وحدثني ابي عن ابن ابي عمير عن هشام عن ابي عبدالله عليه السلام انه سئل عن معنى قول طلحة بن ابي طلحة لما بارزه علي عليه السلام ياقضيم، قال ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان بمكة لم يجسر عليه احد لموضع أبي طالب واغروا به الصبيان وكانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يرمونه بالحجارة والتراب فشكى ذلك إلى علي عليه السلام فقال بابي أنت وامي يا رسول الله إذا خرجت فاخرجني معك فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه امير المؤمنين عليه السلام فتعرض الصبيان لرسول الله صلى الله عليه وآله كعادتهم فحمل عليهم امير المؤمنين عليه السلام وكان يقضمهم في وجوههم وآنا فيم وآذانهم فكانوا يرجعون باكين إلى آبائهم ويقولون قضمنا علي قضمنا علي فسمي لذلك " القضيم ".
     
    وروي عن ابي واثلة شقيق بن سلمة قال كنت اماشى فلانا اذ سمعت منه همهمة، فقلت له مه، ماذا يافلان؟ قال ويحك أما ترى الهزير(1) القضم ابن القضم، والضارب بالبهم، الشديد علي من طغى وبغى، بالسيفين والراية، فالتفت فاذا هو علي بن ابي طالب، فقلت له ياهذا هو علي بن ابي طالب، فقال ادن مني احدثك عن شجاعته وبطولته، بايعنا النبي يوم احد على ان لا نفر ومن فر منا فهو ضال ومن قتل منا فهو شهيد والنبي زعيمه، إذ حمل علينا مائة صنديد تحت كل صنديد مائة رجل أو يزيدون فازعجونا عن طحونتنا(2)
     
    ___________________________________
     
    (1) الهزبر كمنبر: الاسد، القضم كلقن: السيف المتكسر الحد ولا يكون كذلك إلا مع كثرة استعماله في الحروب، البهم كصرد: الشجاع المستبهم على اقرانه
     
    (2) الطحون والطحانة الكتيبة العظيمة.ج-ز
    الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة



    الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
    [115]
     
    فرأيت عليا كالليث يتقي الذر (الدر ط) وإذ قد حمل كفا من حصى فرمى به في وجوهنا ثم قال شاهت الوجوه وقطت(1) وبطت ولطت، إلى اين تفرون، إلى النار، فلم ترجع، ثم كر علينا الثانية وبيده صفيحة يقطر منها الموت، فقال بايعتم ثم نكثتم، فوالله لانتم أولى بالقتل ممن قتل، فنظرت إلى عينيه كأنهما سليطان(2) يتوقدان نارا، أو كالقدحين المملوين دما، فما ظننت إلا ويأتي علينا كلنا، فبادرت انا اليه من بين اصحابي فقلت يا أبا الحسن الله الله، فان العرب تكر وتفر وان الكرة تنفي الفرة، فكأنه عليه السلام استحيى فولى بوجهه عني، فما زلت اسكن روعة فؤادي، فوالله ما خرج ذلك الرعب من قلبي حتى الساعة ".
     
    ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلا ابودجانة الانصاري، وسماك بن خرشة وامير المؤمنين عليه السلام، فكلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه وآله استقبلهم امير المؤمنين فيدفعهم عن رسول الله ويقتلهم حتى انقطع سيفه، وبقيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله نسيبة بنت كعب المازنية، وكانت تخرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله في غزواته تداوي الجرحى، وكان ابنها معها فاراد ان ينهزم ويتراجع، فحملت عليه فقالت يا بني إلى اين تفر عن الله وعن رسوله؟ فردته، فحمل عليه رجل فقتله، فأخذت سيف ابنها فحملت علي الرجل فضربته على فخذه فقتلته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بارك الله عليك يا نسيبة وكانت تقي رسول الله صلى الله عليه وآله بصدرها وثدييها ويديها حتى اصابتها جراحات كثيرة، وحمل ان قميتة (قمية ط) على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أروني محمدا لا نجوت ان نجا محمد، فضربه علي حبل
     
    ___________________________________
     
    (1) كلها مبني للمفعول اى قطعت وشقت وضربت.
     
    (2) السليط كلقيط الزيت، ومنه خبر ابن عباس رأيت عليا وكأن عينيه سراجا سليط (مجمع) ج-ز
     
    [116]
     
    عاتقه، ونادى قتلت محمدا واللات والعزى، ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رجل من المهاجرين قد القى ترسه خلف ظهره وهو في الهزيمة، فناداه " ياصاحب الترس ألق ترسك ومر إلى النار " فرمى بترسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يانسيبة خذي الترس فاخذت الترس وكانت تقاتل المشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " لمقام نسيبة أفضل من مقام فلان وفلان " فلما انقطع سيف امير المؤمنين عليه السلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله ان الرجل يقاتل بالسلاح وقد انقطع سيفي فدفع اليه رسول الله صلى الله عليه وآله سيفه " ذا الفقار " فقال قاتل بهذا، ولم يكن يحمل على رسول الله صلى الله عليه وآله احدا إلا يستقبله امير المؤمنين عليه السلام، فاذا رأوه رجعوا فانحاز رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ناحية احد، فوقف وكان القتال من وجه واحد وقد انهزم اصحابه فلم يزل امير المؤمنين (ع) يقاتلهم حتى اصابه في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه ورجليه تسعون جراحة فتحاموه، وسمعوا مناديا ينادي من السماء " لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " فنزل جبرئيل علي على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " هذه والله المواساة يا محمد " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " لاني منه وهو مني " وقال جبرئيل "وانا منكما".
     
    وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر، فكلما انهزم رجل من قريش رفعت اليه ميلا ومكحلة وقالت إنما انت امرأة فاكتحل بهذا، وكان حمزة بن عبدالمطلب يحمل على القوم فاذا رأوه انهزموا ولم يثبت له واحد وكانت هند بنت عتبة قد اعطت وحشيا عهدا لان قتلت محمدا او عليا او حمزة لاعطيتك رضاك وكان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا، فقال وحشي اما محمد فلا اقدر عليه واما علي فرأيته رجلا حذرا كثير الالتفات فلم اطمع فيه قال فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هدا فمر بي فوطى على جرف نهر فسقط، فاخذت حربتي فهززتها
     
    [117]
     
    ورميته فوقعت في خاصرته وخرجت من مثانته مغمسة بالدم فسقط فاتيته فشققت بطنه واخذت كبده واتيت بها إلى هند فقلت لها هذه كبد حمزة، فاخذتها في فيها فلاكتها فجعلها الله في فيها مثل الداغصة(1) فلفظتها ورمت بها فبعث الله ملكا فحملها وردها إلى موضعها، فقال ابوعبدالله عليه السلام يابى الله ان يدخل شيئا من بدن حمزة النار، فجاء‌ت اليه هند فقطعت مذاكيره وقطعت اذنيه وجعلتهما خرصين(2) وشدتهما في عنقها، وقطعت يديه ورجليه وتراجعت الناس فصارت قريش على الجبل، فقال ابوسفيان وهو على الجبل " اعلا هبل " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام قل له " الله اعلا واجل " فقال يا علي انه قد انعم علينا فقال علي عليه السلام بل الله انعم علينا ثم قال ابوسفيان يا علي اسألك باللات والعزى هل قتل محمد؟ فقال له امير المؤمنين عليه السلام لعنك الله ولعن الله اللات والعزى معك، والله ما قتل محمد صلى الله عليه وآله وهو يسمع كلامك، فقال انت اصدق، لعن الله ابن قميته زعم انه قتل محمدا.
     
    وكان عمرو بن قيس قد تأخر اسلامه فلما بلغه ان رسول الله صلى الله عليه وآله في الحرب اخذ سيفه وترسه واقبل كالليث العادي يقول اشهد ان لاإله إلا الله وان محمدا رسول الله ثم خالط القوم فاستشهد فمر به رجل من الانصار فرآه صريعا بين القتلى فقال يا عمرو أنت على دينك الاول؟ فقال معاذ الله، والله اني اشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ثم مات، فقال رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يا رسول الله ان عمرو بن قيس قد اسلم فهو شهيد؟ فقال اي والله انه
     
    ___________________________________
     
    (1) الداغصة عظم مدور في الركبة.وفى ط مثل الفضة وهو بعيد
     
    (2) الخرصان تثنية الخرص كفلس حلفة الذهب او الفضة او الخرص ككفل وهو الجراب.ج-ز
     
    [118]
     
    شهيد، ما رجل لم يصل لله ركعة دخل الجنة غيره.
     
    وكان حنظلة بن ابي عامر رجل من الخزرج، قد تزوج في تلك الليلة التي كان في صببحتها حرب احد، بنت عبدالله بن ابي سلول ودخل بها في تلك الليلة، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله ان يقيم عندها فانزل الله: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على امر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ان الذين يستأذنونك اولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فاذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم " فاذن له رسول الله صلى الله عليه وآله، فهذه الآية في سورة النور واخبار احد في سورة آل عمران فهذا دليل على ان التأليف على خلاف ما أنزله الله، فدخل حنظلة باهله وواقع عليها فاصبح وخرج وهو جنب، فحضر القتال فبعث امرأته إلى اربعة نفر من الانصار لما اراد حنظلة ان يخرج من عندها واشهدت عليه انه قد واقعها فقيل لها لم فعلت ذلك؟ قالت رأيت في هذه الليلة في نومي كأن السماء قد انفرجت فوقع فيها حنظلة ثم انظمت، فعلمت انها الشهادة فكرهت ان لا اشهد عليه، فحملت منه.
     
    فلما حضر القتال نظر حنظلة إلى ابي سفيان على فرس يجول بين العسكرين فحمل عليه فضرب عرقوب(1) فرسه فاكتسعت الفرص وسقط ابوسفيان إلى الارض وصاح يا معشر قريش انا ابوسفيان وهذا حنظلة يريد قتلي وعدا ابوسفيان ومر حنظلة في طلبه فعرض له رجل من المشركين فطعنه فمشى إلى المشرك في طعنه فضربه فقتله، وسقط حنظلة إلى الارض بين حمزة وعمرو بن الجموح وعبدالله بن حزام وجماعة من الانصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله رأيت الملائكة يغسلون حنظلة بين السماء والارض بماء المزن في صحائف من ذهب، فكان يسمى غسيل الملائكة.
     
    وروي ان مغيرة بن العاص كان رجلا أعسر فحمل في طريقة إلى احد ثلاثة
     
    ___________________________________
     
    (1) العرقوب بالضم عرق غليظ فوق عقب الانسان ومن الدابة في رجلها كالركبة في يدها.ق.ج ز
     
    [119]
     
    احجار، فقال بهذه اقتل محمدا، فلما حضر القتال نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وبيده السيف فرماه بحجر، فاصاب به رسول الله صلى الله عليه وآله فسقط السيف من يده فقال قتلته واللات والعزى فقال امير المؤمنين عليه السلام كذب لعنه الله، فرماه بحجر آخر فاصاب جبهته فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اللهم حيره، فلما انكشف الناس تحير فلحقه عمار بن ياسر فقتله، وسلط الله على ابن قميته الشجر فكان يمر بالشجرة فيقع وسطها فتأخذ من لحمه فلم يزل كذلك حتى صار مثل الصرر(1) ومات لعنه الله ورجع المنهزمون من اصحاب رسول صلى الله عليه وآله فانزل الله على رسوله: (أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) يعني ولما يرى لانه عزوجل قد علم قبل ذلك من يجاهد ومن لا يجاهد فاقام العلم مقام الرؤية لانه يعاقب الناس بفعلهم لا بعلمه.
     
    قوله: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رأيتموه وانتم تنظرون) وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه الآية " فان المؤمنين لما اخبرهم الله بالذي فعل بشهدائهم يوم بدر ومنازلهم من الجنة رغبوا في ذلك فقالوا اللهم ارنا القتال نستشهد فيه فاراهم الله اياه في يوم احد فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم، فذلك قوله: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه " واما قوله: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات او قتل انفلبتم على اعقابكم (فان رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج يوم احد وعهد العاهد به على تلك الحال فجعل الرجل يقول لمن لقيه ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد قتل، النجاء(2) فلما رجعوا إلى المدينة انزل الله (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل إلى قوله انقلبتم على اعقابكم) يقول إلى الكفر وقوله: (وكأين من نبي قاتل معه رببون كثير)
     
    ___________________________________
     
    (1) الصرر كشرر: السنبل
     
    (2) النجاء كعلاء الخلاص.ج-ز
     
    [120]
     
    يقول كاي من نبي قبل محمد قاتل معه ربيون كثير والربيون الجموع الكثيرة والزبوة الواحدة عشرة آلاف يقول الله تبارك وتعالى: (فما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله) من قبل نبيهم (وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) يعنون خطاياهم (وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) قال علي بن ابراهيم في قوله: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على اعقابكم فتنقلبوا خاسرين) يعني عبدالله بن ابي حيث خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثم رجع يجبن اصحابه قال للمؤمنين يوم احد يوم الهزيمة ارجعوا إلى دينكم عن علي عليه السلام (بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب) يعني قريش (بما اشركوا بالله) قوله: (ولقد صدقكم اله وعده) يعني أن ينصركم الله عليهم (اذ تحسونهم باذنه) إذ تقتلونهم باذن الله (حتى اذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أريكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا) يعني اصحاب عبدالله بن جبير الذين تركوا مركزهم ومروا للغنيمة، قوله (ومنكم من يريد الآخرة) يعني عبدالله بن جبير واصحابه الذين بقوا حتى قتلوا (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) أي يختبركم (ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) ثم ذكر المنهزمين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (اذ تصعدون ولا تلوون على احد والرسول يدعوكم) إلى قوله (خبير بما تعملون) وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر عليه السلام في قوله (فاثابكم غما بغم) فاما الغم الاول فالهزيمة والقتل، واما الغم الآخر فاشراف خالد بن الوليد عليهم يقول (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) من الغنيمة (ولا ما اصابكم) يعني قتل اخوانهم (فالله خبير بما تعملون ثم انزل عليكم من بعد الغم) قال يعني الهزيمة، ورجع إلى تفسير علي بن ابراهيم.
     
    قال وتراجع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله المجروحون وغيرهم، فاقبلوا
     
    [121]
     
    يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاحب الله يعرف رسوله من الصادق منهم ومن الكاذب، فانزل الله عليهم النعاس في تلك الحالة حتى كانوا يسقطون إلى الارض وكان المنافقون الذين يكذبون لا يستقرون قد طارت عقولهم وهم يتكلمون بكلام لا يفهم عنهم فانزل الله (نعاسا يغشى طائفة منكم) يعني المؤمنين و (طائفة قد اهمتهم انفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ) قال الله لمحمد صلى الله عليه وآله: (قل ان الامر كله لله، يخفون في انفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا) يقولون لو كنا في بيوتنا ما اصابنا القتل، قال الله: (لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور) فاخبر الله رسوله ما في قلوب القوم ومن كان منهم مؤمنا ومن كان منهم منافقا كاذبا بالنعاس فانزل الله عليه " ما كان الله ليدر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " يعني المنافق الكاذب من المؤمن الصادق بالنعاس الذي ميز بينهم، وقوله: (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان) اي خدعهم حتى طلبوا الغنيمة (ببعض ما كسبوا) قال بذنوبهم (ولقد عفا الله عنهم) ثم قال: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا) يعني عبدالله بن ابي واصحابه الذين قعدوا عن الحرب (وقالوا لاخوانهم اذا ضربوا في الارض او كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير) ثم قال لنبيه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) اي انهزموا ولم يقيموا معك ثم قال تأديبا لرسوله (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم هم في الامر فاذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين ان ينصركم الله فلا غالب لكم وان يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل
     
    [122]
     
    المؤمنون) وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر عليه السلام قي قوله: (ما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) وصدق الله لم يكن الله ليجعل نبيا غالا(1) (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) ومن غل شيئا رآه يوم القيامة في النار ثم يكلف ان يدخل اليه فيخرجه من النار (ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) واما قوله (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من انفسهم) فهذه الآية لآل محمد صلى الله عليه وآله واما قوله (أو لما أصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم يقول بمعصيتكم اصابكم ما اصابكم ط - ان الله علي كل شئ قدير، وما أصابكم يوم التقى الجمعان فباذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله) فهم ثلاث مائة منافق رجعوا مع عبدالله بن ابى سلول فقال لهم جابر ابن عبدالله انشدكم الله في نبيكم ودينكم ودياركم فقالوا والله لا يكون قتال اليوم ولو نعلم انه يكون قتال اتبعناكم يقول الله (هم للكفر يومئذ اقرب منهم للايمان يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم والله اعلم بما يكتمون) وفي رواية على بن ابراهيم قوله ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون، وقوله " ولقد نصركم الله ببدر وانتم أذلة " قال ابوعبدالله عليه السلام ما كانوا اذلة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وإنما نزل " لقد نصركم ببدر وانتم ضعفاء ".
     
    فلما سكن القتال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من له علم بسعد بن الربيع فقال رجل انا اطلبه فاشار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى موضع فقال اطلبه هناك فاني قد رأيته في ذلك الموضع قد شرعت حوله اثنا عشر رمحا، قال فاتيت ذلك الموضع فاذا هو صريع بين القتلى، فقلت يا سعد، فلم يجبني ثم قلت يا سعد فلم تجيبني فقلت يا سعد ان رسول الله صلى الله عليه وآله
     
    ___________________________________
     
    (1) غل غلولا خان.ج-ز
     
    [123]
     
    قد سأل عنك، فرفع رأسه فانتعش كما ينتعش الفرخ ثم قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله لحي؟ قلت اي والله انه لحي وقد اخبرني انه رأى حولك اثنى عشر رمحا فقال الحمدلله صدق رسول الله صلى الله عليه وآله لقد طعنت اثنى عشر طعنة كله قد جأفتني(1) ابلغ قومي الانصار السلام وقل لهم والله ما لكم عند الله عذر إن تشوك رسول الله شوكة وفيكم عين تطرف، ثم تنفس فخرج منه مثل دم الجزور وقد كان اختفى في جوفه وقضى نحبه رحمه الله ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبرته فقال رحم الله سعدا نصرنا حيا واوصى بنا ميتا.
     
    ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله من له علم بعمي حمزة، فقال الحرث بن سمية انا اعرف موضعه فجاء حتى وقف على حمزة فكره ان يرجع إلى رسول الله فيخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام يا علي اطلب عمك فجاء علي عليه السلام فوقف على حمزة فكره ان يرجع اليه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وقف عليه فلما رأى ما فعل به بكى ثم قال والله ما وقفت موقفا قط اغيظ علي من هذا المكان لان امكنني الله من قريش لامثلن بسبعين رجلا منهم، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال " وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله بل اصبر، فهذه الآية في سورة النحل وكان يجب ان تكون في هذه السورة التي فيها اخبار احد، فالقى رسول الله صلى الله عليه وآله على حمزة بردة كانت عليه فكانت اذا مدها على رأسه بدت رجلاه واذا مدها على رجليه بدا رأسه، فمدها على رأسه والقى على رجليه الحشيش وقال لولا اني احذر نساء بني عبدالمطلب لتركته للعادية والسباع حتى يحشر يوم القيامة من بطون السباع والطير، وامر رسول الله صلى الله عليه وآله بالقتلى فجمعوا فصلى عليهم ودفنهم في مضاجعهم
     
    ___________________________________
     
    (2) جأفه اي صرعه.ج-ز
     
    [124]
     
    وكبر على حمزة سبعين تكبيرة، قال وصاح ابليس لعنه الله بالمدينة " قتل محمد " فلم يبق احد من نساء المهاجرين والانصار الا خرجن، وخرجت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله تعدو على قدميها حتى وافت رسول الله صلى الله عليه وآله وقعدت بين يديه فكان اذا بكى رسول الله صلى الله عليه وآله بكت لبكائه وإذا انتحب انتحبت، ونادى ابوسفيان موعدنا وموعدكم في عام قابل فتقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام قل نعم، وارتحل رسول الله صلى الله عليه وآله ودخل المدينة واستقبلته النساء يولولن ويبكين فاستقبلته زينت بنت جحش، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله احتسبي فقالت من يارسول الله؟ قال اخاك قالت إنا لله وإنا اليه راجعون هنيئا له الشهادة، ثم قال لها احتسبي قالت من يارسول الله؟ قال حمزة بن عبدالمطلب قالت إنا لله وإنا اليه راجعون هنيئا له الشهادة، ثم قال لها احتسبي قالت من يارسول الله؟ قال زوجك مصعب بن عمير، قالت واحزناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ان للزوج عند المرأة لحدا ما لاحد مثله، فقيل لها لم قلت ذلك في زوجك؟ قالت ذكرت يتم ولده.
     
    قال وتؤامرت قريش على ان يرجعوا على المدينة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من رجل يأتينا بخبر القوم؟ فلم يجبه احد، فقال امير المؤمنين عليه السلام انا اتيك بخبرهم، قال اذهب فان كانوا ركبوا الخيل وجنبوا الابل فهم يريدون المدينة والله لان ارادوا المدينة لا يأذن الله فيهم، وان كانوا ركبوا الابل وجنبوا الخيل فانهم يريدون مكة، فمضى امير المؤمنين (ع) على ما به من الالم والجراحات حتى كان قريبا من القوم فرآهم قد ركبوا الابل وجنبوا الخيل فرجع امير المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ارادوا مكة.
     
    فلما دخل رسول الله المدينة نزل عليه جبرئيل فقال يا محمد ان الله يأمرك ان تخرج في اثر القوم ولا يخرج معك الا من به جراحة، فامر رسول الله صلى الله عليه وآله مناديا
     
    [125]
     
    ينادي يامعشر المهاجرين والانصار من كانت به جراحة فليخرج ومن لم يكن به جراحة فليقم، فاقبلوا يضمدون جراحاتهم ويداوونها فانزل الله على نبيه " ولا تهنوا في ابتغاء إن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون " وهذه الآية في سورة النساء ويجب ان تكون في هذه السورة قال عزوجل (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء) فخرجوا على ما بهم من الالم والجراح فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله بحمراء الاسد وقريش قد نزلت الروحا قال عكرمة بن ابي جهل والحارث بن هشام وعمرو بن عاص وخالد بن الوليد نرجع فنغير على المدينة فقد قتلنا سراتهم وكبشهم يعني حمزة، فوافاهم رجل خرج من المدينة فسألوه الخبر فقال تركت محمدا واصحابه بحمراء الاسد يطلبونكم جد الطلب فقال ابوسفيان هذا النكد والبغي قد ظفرنا بالقوم وبغينا والله ما افلح قوم قط بغوا، فوافاهم نعيم بن مسعود الاشجعي فقال ابوسفيان اين تريد؟ قال المدينة لامتار لاهلي طعاما، قال هل لك ان تمر بحمراء الاسد وتلقى اصحاب محمد وتعلمهم ان حلفاء‌نا وموالينا قد وافونا من الاحابيش(1) حتى يرجعوا عنا ولك عندي عشرة قلايص(2) املؤها تمرا وزبيبا؟ قال نعم، فوافا من غد ذلك اليوم حمراء الاسد، فقال لاصحاب محمد صلى الله عليه وآله اين تريدون؟ قالوا قريش، قال ارجعوا فان قريشا قد اجنحت اليهم حلفاؤهم ومن كان تخلف عنهم وما اظن الا واوائل القوم قد طلعوا عليكم الساعة، فقالوا (حسبنا الله ونعم الوكيل) ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ارجع يا محمد فان الله قد ارهب قريشا، ومروا
     
    ___________________________________
     
    (1) الاحابيش جمع احبوشة كاحدوثة وهي الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة.
     
    (2) جمع قلوص كمجوس وهى الابل ج-ز
     
    [126]
     
    لا يلوون على شئ ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وانزل الله (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما اصابهم الفرح للذين احسنوا منهم واتقوا اجر عظيم الذين قال لهم الناس) يعني نعيم بن مسعود فهذا اللفظ عام ومعناه خاص (ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم) فلما دخلوا المدينة قال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما هذا الذي اصابنا؟ قد كنت تعدنا النصر، فانزل الله (او لما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم) وذلك لان يوم بدر قتل من قريش سبعون وأسر منهم سبعون وكان الحكم في الاسارى القتل، فقامت الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يارسول الله هبهم لنا ولا تقتلهم حتى نفاديهم، فنزل جبرئيل عليه السلام فقال ان الله قد اباح لهم الفداء ان يأخذوا من هؤلاء ويطلقوهم، على ان يستشهد منهم في عام قابل بقدر من يأخذوا منه الفداء من هؤلاء، فاخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الشرط، فقالوا قد رضينا به نأخذ العام الفداء من هؤلاء نتقوى به ويقتل منا في عام قابل بعدد ما نأخذ منهم الفداء وندخل الجنة، فاخذوا منهم الفداء وأطلقوهم، فلما كان في هذا اليوم وهو يوم احد قتل من اصحاب رسول الله سبعون، فقالوا يارسول الله ما هذا الذي اصابنا وقد كنت تعدنا بالنصر فانزل الله " او لما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم " بما اشترطتم يوم بدر واما قوله (وما كان لنبي ان يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) فان هذه نزلت في حرب بدر، وهي مع الآيات التي في الانفال في اخبار بدر، وقد كتبت في هذه السورة مع اخبار احد، وكان سبب نزولها انه كان في الغنيمة التي اصابوها يوم بدر قطيفة حمراء ففقدت فقال رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما لنا لا نرى القطيفة ما اظن إلا أن
     
    [127]
     
    رسول الله أخذها، فانزل الله في ذلك، وما كان لنبي أن يغل..الخ.
     
    فجاء رجل إلى رسول الله فقال ان فلانا غل قطيفة فاخبأها هنا لك، فامر رسول الله صلى الله عليه وآله بحفر ذلك الموضع فاخرج القطيفة.
     
    واما قوله: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله) فانه حدثني ابي عن الحسن بن محبوب عن ابي عبيدة الحذاء عن ابي بصير عن ابي عبدالله عليه السلام قال هم والله شيعتنا اذا دخلوا الجنة واستقبلوا الكرامة من الله استبشروا بمن لم يلحق بهم من اخوانهم من المؤمنين في الدنيا (ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وهو رد على من يبطل الثواب والعقاب بعد الموت واما قوله (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم) قال من بخل ولم ينفق ماله في طاعة الله صار ذلك يوم القيامة طوقا من نار في عنقه وهو قوله (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) واما قوله: (لقد سمع الله قول الذين قالو ان الله فقير ونحن اغنياء) قال والله ما رأوا الله تعالى فيعلموا انه فقير ولكنهم رأوا اولياء الله فقراء فقالوا لو كان الله غنيا لاغنى اولياء‌وه واما قوله (الذين قالوا ان الله عهد الينا ان لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار) فان قوما من اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله لن نؤمن لك حتى تأتينا بقربان تأكله النار وكان عند بني اسرائيل طست كانوا يقربون القربان فيضعونه في الطست فتجيئ نار فتقع فيه فتحرقه، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله لن نؤمن لك حتى تأتينا بقربان تأكله النار كما كان لبني اسرائيل فقال الله قل لهم يا محمد (قد جاء‌كم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقين) وفي رواية ابى الجارود عن ابى جعفر عليه السلام في قوله (فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات) هى الآيات (والزبر) وهى كتب الانبياء بالنبوة (والكتاب المنير) الحلال والحرام.
     
    [128]
     
    قال علي بن ابراهيم واما قوله (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز) اي؟ نجى؟ من النار (وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور) حدثني ابى عن سليمان الديلمي عن ابى بصير عن ابى عبدالله عليه السلام قال اذا كان يوم القيامة يدعى محمد صلى الله عليه وآله فيكسى حلة وردية ثم يقام على يمين العرش ثم يدعى بابراهيم عليه السلام فيكسى حلة بيضاء فيقام عن يسار العرش، ثم يدعى بعلي امير المؤمنين عليه السلام فيكسى حلة وردية فيقام على يمين النبي صلى الله عليه وآله ثم يدعي باسماعيل فيكسى حلة بيضاء فيقام على يسار ابراهيم، ثم يدعى بالحسن عليه السلام فيكسى حلة وردية فيقام على يمين امير المؤمنين عليه السلام ثم يدعى بالحسين (ع) فيكسى حلة وردية فيقام على يمين الحسن (ع) ثم يدعى بالائمة فيكسون حللا وردية ويقام كل واحد على يمين صاحبه، ثم يدعى بالشيعة فيقومون أمامهم ثم يدعى بفاطمة ونسائها من ذريتها وشيعتها فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم ينادي مناد من بطنان العرش من قبل رب العزة والافق الاعلى نعم الاب ابوك يا محمد وهو ابراهيم ونعم الاخ اخوك وهو علي بن ابى طالب عليه السلام ونعم السبطان سبطاك وهما الحسن والحسين ونعم الجنين جنينك وهو محسن ونعم الائمة الراشدون من ذريتك وهم فلان وفلان، ونعم الشيعة شيعتك ألا ان محمدا ووصيه وسبطيه والائمة من ذريته هم الفائزون ثم يؤمر بهم إلى الجنة وذلك قوله: " فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز " وفي رواية ابي الجارود عن ابى جعفر (ع) في قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) وذلك ان الله اخذ ميثاق الذين اوتوا الكتاب في محمد لتبيننه للناس اذا خرج ولا يكتمونه (فنبذوه وراء ظهورهم) يقول نبذوا عهد الله وراء ظهورهم (واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون).قال علي بن ابراهيم في قوله (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون
     
    [129]
     
    أن يحمدوا بما لما يفعلوا) نزلت في المنافقين الذين يحبون ان يحمدوا على غير فعل، وفي رواية ابى الجارود عن ابي جعفر (ع) قوله (ولا تحسبنهم بمفازة من العذاب) يقول ببعيد من العذاب (ولهم عذاب اليم).
     
    قال علي بن ابراهيم في قوله (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) يعني الصحيح يصلي قائما والمريض يصلي جالسا وعلى جنوبهم يعني مضطجعا يؤمي إيماء‌ا إلى قوله (ما للظالمين من انصار) فهو محكم (ربنا اننا سمعنا مناديا ينادي للايمان) يعني رسول الله ينادي إلى الايمان إلى قوله (انك لا تخلف الميعاد) ثم ذكر امير المؤمنين عليه السلام واصحابه المؤمنين فقال (فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم) يعني امير المؤمنين وسلمان واباذر حين اخرج (واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب) ثم قال لنبيه (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم ماويهم جهنم وبئس المهاد) واما قوله (وان من اهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل اليكم وما انزل اليهم خاشعين لله) فهم قوم من اليهود والنصارى دخلوا في الاسلام، منهم النجاشي واصحابه، واما قوله (اصبروا وصابروا ورابطوا) فانه حدثني ابي عن ابي بصير (ابن ابى عمير ط) عن ابن مسكان عن ابي عبدالله عليه السلام قال اصبروا على المصائب وصابروا على الفرائض ورابطوا على الائمة عليهم السلام، وحدثني ابي عن الحسن (الحسين ط) بن خالد عن الرضا عليه السلام قال إذا كان يوم القيامة ينادي مناد اين الصابرون؟ فيقوم فئام(1) من الناس ثم ينادي اين المتصبرون، فيقوم فئام من الناس، قلت جعلت فداك وما الصابرون؟ قال على اداء الفرايض والمتصبرون علي اجتناب المحارم.
     
    ___________________________________
     
    (1) الفئام جماعة من الناس، لا واجد له.ج-ز
    الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة

    |